الشيخ محمد رشيد رضا
348
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
دائما هو أن كل ما يتناوله اللفظ من المعاني المتفقة يجوز أن يكون مرادا منه لا فرق في ذلك بين المفرادت والجمل . وعلى هذا تكون الآية مرشدة إلى إبطال كل تلك الضلالات والمظالم التي كانت عليها الجاهلية في أمر اليتامى وأمر النساء من التزوج باليتامى بدون مهر المثل والتزوج بهن طمعا في أموالهن يأكلها الرجل بغير حق ، ومن عضلهن ليبقى الولي متمتعا بمالهن لا ينازعه فيه الزوج ومن ظلم النساء بتزوج الكثيرات منهن مع عدم العدل بينهن - فمن لم يفهم هذا كله من هذه الآية فهمه من مجموع الآيات هنا . الأستاذ الامام : جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام عن اليتامى والنهى عن أكل أموالهن ولو بواسطة الزوجية فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فان اللّه تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة ولكن ان خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط . والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضا ، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل عذه الأمور ، فالذي يباح له ان يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفا . قال : ولما قال « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً » علله بقوله « ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا » أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببا في التشريع وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه ومنبه إلى أن العدل عزيز . وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ( 129 وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجا عدم جواز التعدد بوجه ما ، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية « فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ » واللّه يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشئ دونهن . اى بغير رضاهن وإدنهن وكان